مجمع البحوث الاسلامية

670

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وأحسن وهو مؤمن باللّه يوازن بين حسناته وسيّئاته ، فإن كانت الإساءة أكثر كان كمن لم يحسن ، وإن كان الإحسان أكثر كان كمن لم يسئ ؛ إذ الأكثر ينفي الأقلّ ، وإن تساويا كان كمن لم يصدر عنه شيء . والإحباط بعيد عن هذا المعنى كلّ البعد ، ومعناه الصّحيح : أنّ من مات على الكفر بعد الإسلام يكشف كفره هذا عن أنّ أعماله الّتي أتى بها حين إسلامه لم تكن على الوجه المطلوب شرعا ، ولا يستحقّ عليها شيئا منذ البدايّة ، لا أنّه استحقّ الثّواب ثمّ ارتفع ونسخ بعد ثبوته ، بل هو من باب الدّفع لا من باب الرّفع . ( 1 : 326 ) الطّباطبائيّ : والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره ، ولم ينسب في القرآن إلّا إلى العمل ، كقوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ الزّمر : 65 ، وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ محمّد : 32 ، 33 ، وذيل الآية يدلّ بالمقابلة على أنّ « الحبط » بمعنى بطلان العمل ، كما هو ظاهر قوله تعالى : وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ هود : 16 ، ويقرب منه قوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً الفرقان : 23 . وبالجملة « الحبط » هو بطلان العمل وسقوطه عن التّأثير ، وقد قيل : إنّ أصله من : الحبط بالتّحريك وهو أن يكثر الحيوان من الأكل فينتفخ بطنه ، وربّما أدّى إلى هلاكه . والّذي ذكره تعالى من أثر الحبط : بطلان الأعمال في الدّنيا والآخرة معا ، فللحبط تعلّق بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة ، فإنّ الإيمان يطيّب الحياة الدّنيا كما يطيّب الحياة الآخرة قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ النّحل : 97 ، وخسران سعي الكافر ، وخاصّة من ارتدّ إلى الكفر بعد الإيمان ، وحبط عمله في الدّنيا ، ظاهر لا غبار عليه ، فإنّ قلبه غير متعلّق بأمر ثابت ، وهو اللّه سبحانه ، يبتهج به عند النّعمة ، ويتسلّى به عند المصيبة ، ويرجع إليه عند الحاجة ، قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها الأنعام : 122 ، تبيّن الآية أنّ للمؤمن في الدّنيا حياة ونورا في أفعاله ، وليس للكافر ومثله قوله تعالى : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى طه : 124 ، حيث يبيّن أنّ معيشة الكافر وحياته في الدّنيا ضنك ضيّقة متعبة ، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة . وقد جمع الجميع ودلّ على سبب هذه السّعادة والشّقاوة قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ محمّد : 11 . فظهر ممّا قرّبناه أنّ المراد بالأعمال : مطلق الأفعال الّتي يريد الإنسان بها سعادة الحياة ، لا خصوص الأعمال العباديّة ، والأفعال القربيّة الّتي كان المرتدّ عملها وأتى بها حال الإيمان ، مضافا إلى أنّ « الحبط » وارد في مورد الّذين